Sunday, March 11, 2012

حوجَن - الحلقة الثانية: كلمتي الأولى لابنة الإنس HAWJAN 2



رواية حوجن متوفرة لدى سيبويه وأمازون وكندل وبوكاتشينو وقريباً في مكتبات جرير و ڤيرچن. رابط التريلر: 


http://www.youtube.com/watch?v=ItwkSbVMULI


اضطررت لأخذ إجازة طارئة، أمضيتها ما بين تطييب خاطر أمي المسكينه، ومراقبة أفواج العمال الذين بدأوا بتجهيز البيت، دهان الجدران، تغيير الإضاءة، ترتيب الأثاث.. أنتم يا بشر مهووسون بالكماليات، نحن نبني بيوتنا في أيام، وأنتم تمضون نصف أعماركم في بنائها، والنصف الباقي في إتمام إكسسواراتها. كنت أراقبها، زهرة تلك الأسرة.. سوسن. كانت تتقافز بين جنبات غرفتهاالصغيرة، وكأنما ترقص بين شرفات قصر أسطوري، تحمل قصاصاتها الملونه، وعيّنات أقمشة الستائر، وصور الأثاث. الأثاث الذي وضعت أولى لمساته بيديها: حوض أزهارها.
انتقلت الوالدة إلى سطح المنزل بجوار جدي، وفضلت أنا أن أقضي معظم الوقت في الحوش أو في المخزن.. المتشددون من الجن يحرمون العيش في بيوت الإنس، ولكننا نتبع الرأي المعتدل الذي يبيح العيش معهم، أقصد معكم طالما لا يضر أحدنا الآخر، في الواقع أنا لا أملك الخيار هنا فأمي لم ولن تقبل بترك هذا المنزل مهما حاولت إقناعها، ولم ولن أجرؤ على تركها مع جدي. سببت لي حياتي بينكم الكثير من الارتباك في بادئ الأمر، كنت أحرص على أن اتفادى الاحتكاك بكم (من طرف واحد بالطبع)، كنت أحترم جميع خصوصيات تلك الأسرة، ونادراً ما أبقى في نفس الغرفة مع أي منهم. لا أعتقد أن أياً منكم أحس بهذا الشعور من قبل، شعور طاقية الإخفاء، أن ترى شخصاً دون أن يراك، أن تحمل هموم الدنيا وبجوارك شخص يضحك على مشهد كوميدي في التلفزيون، أو أن تستيقظ من نومك فجأة على صوت شجار عائلي محتدم، أو أن تضطر إلى مغادرة الغرفة عندما تدخلها إنسية، وتتسلل خارجاً من الباب قبل أن تغلقه خلفها.. وهذي ليس مجرد مثال، وإنما موقف حصل لي بالفعل، فقد كنت أحن أحياناً لغرفتي.. أقصد غرفة سوسن، فآخذ فيها قيلولتي بعد عودتي من العمل، نوبتي كانت تنتهي الساعة الثامنة صباحاً فأصل في الوقت الذي تكون فيه سوسن قد غادرت لجامعتها، وفي ذلك اليوم كنت منهكاً بالفعل، وغصت في نوم عميق وفجأة دخلت علي سوسن راكضة باكية، وأغلقت بابها خلفها بسرعة وقوة، فلم أستطع أن أخرج، واضطررت للجلوس في غرفتها.
جلست القرفصاء بجوار الباب، في انتظار أي أحد ليفتحه لأبادر بالخروج..
وطال انتظاري، كانت سوسن تبكي بحرقة على سريرها، دفنت رأسها في مخدتها، وانسابت دموعها تسقيها. كنت دائماً أعتقد أننا – معشر الجن – لدينا ما يكفينا من هموم، ولسنا بحاجة إلى المزيد من همومكم وتعقيداتكم يا إنس.. ولكن.. سوسن.. التي لم أرها في حياتي إلا ضاحكة مبتسمة، وكأن عضلات وجهها لا تتقن سوى رسم تلك الابتسامة الطفولية المكسوة بالبراءة وحمرة الخجل.. رأيتها اليوم تبكي وتشهق بشكل أثار شفقتي وفضولي. ما الذي يمكن أن يبكي هذه الطفلة؟ من الذي يمتلك ما يكفي من القسوة لمحو تلك البسمة الملائكية؟ نصف ساعة مرت وأنا جالس في انتظار الفرج، وبكاء سوسن يخبو، ويتحول بالتدريج إلى شهقات بلا نحيب، ثم إلى بكاء صامت لا يقاطعه سوى أنفاسها المحروقة التي تلتقطها مكرهة بين الفينة والأخرى. أفزعني صوت طرقات الباب من خلفي.. هذه أمها تسأل بلهفة: سوسن؟ سوسن! إشبك؟ اش حصل؟ سوسن؟ افتحي يا سوسن.  هبت سوسن، التي لا يهمها أن تتحمل كل آلام الدنيا ولا أن تتحمل لوعة أمها وأبيها عليها. استطاعت بمهارة أدهشتني أن ترسم الابتسامة التي اعتادت عليها عضلات وجهها رغماً عن أنف كل ذلك الحزن الذي لم يتبق منه سوى انتفاخ عينيها واحمرار أنفها. أخفت المخدة المبللة تحت المخدة الأخرى، سحبت منديل لتمسح أنفها وفتحت الباب وهي تقول وبنبرة تستحق عليها الأوسكار على إخفاء البكاء بالزكام الوهمي: ايوه يا ماما.. ايوه..  فتحت الباب، وبادرتها أمها بنظرة قلقة مرتابة: سوسن؟ إنت بتبكي؟! أردت أن أستغل الفرصه وأبادر بالفرار من الغرفة قبل أن أحبس فيها مرة أخرى.. ولكن فضولي غلبني.. فوقفت قرب الباب أراقب الموقف، وأراقب ممثلتنا البارعة وهي تقول بلهجة مسرحية وبحزن مفتعل ساخر: ماما إنتي ما عرفتي إش حصل اليوم في الكلية؟.. جلست على طرف السرير، وتصاعد قلق أمها وهي تقول: خير يا بنتي اش حصل؟
-  سوسن: طلع عندي اختبارين ما كنت داريه عنهم.. وكل البنات والأولاد حلوا كويس وأنا خبصت..
-        أمها (بشهقة): وي.. واش سويتي؟
-        سوسن: اضطريت يا ماما أنقل إجابات فرح صاحبتي..
-        أمها (وقد اتسعت عيناها لآخرهما): ايييييش؟
-  سوسن (مواصلة في مكر وحزن درامي مصطنع): وكفشنا الدكتور!! وقدم أوراقنا للعمادة، واعطوني إنذار بالفصل و..
-        أمها (قاطعتها بعد ما بدأت تستوعب خداع ابنتها): سوووسسسن!!
انفجرت سوسن ضاحكة مداعبة أمها: اش أسويلك يا ماما إنتي بتخلي من الحبة قبة، كلها شوية زكام وطلعتيني بابكي وأولول. قالت لها أمها في مداعبة حازمة وهي تعيد خصلة من شعر سوسن غطت عينها إلى مكانها: دايماً تسويها فيّه.. أنا حاوريكي شغلك بعدين.. يللا غيري ملابسك وانزلي ساعديني في تجهيز الغدا.
خرجت الأم وبادرت أنا بالخروج قبل أن تغلق أم سوسن الباب، وألقيت نظرة أخيرة على سوسن، على عينها التي عادت تقذف الدموع الساخنة التي استطاعت أن تحبسها عن أمها بأعجوبة.
يا ترى مالذي يحزنك يا سوسن؟ أول سبب قد يخطر ببالي هو السبب الذي يبكي كل البنات في سنها: أزمة عاطفية.. اعتقد انها كأكثر الفتيات من حولها قد جرحها الشاطر حسن الذي كانت تحلم به أميراً ينتزعها بذراعه المفتول ليلقي بها خلفه على حصانه الأبيض لتكتشف أنه ليس سوى نذلاً آخر يلقي بها من ميموري هاتفه وقائمة ماسنجره لتفسح المجال للمزيد من المغفلات.. تتكرر القصة معكن يا بنات الإنس.. كل يوم وكل لحظة وأنتن مهووسات بعواطفكن.. لا تتعبن من أحلامكن وأكثركن حظاً هي التي يسعفها ذكاؤها لتفنيد الآدمي من النذل، ويتماسك حياؤها وكرامتها إلى أن تجبره على أخذ الأمور بجدية والقدوم لطرق الباب.  
مرت الأيام بروتينية، كل يوم يعودنا على الوضع أكثر من سابقه، وكانت سعادة سوسن وأهلها بمنزلهم الجديد تزداد. أعتقد أن هذه العائلة إجتماعية بالفطرة، فما لبث بيتهم أن تحول إلى نقطة التجمع المفضلة لمن حولهم، فمن التجمعات العائلية كل خميس وجمعه، إلى جلسات هتان وأصدقائه على البلوت والبلاي ستيشن والأفلام والقليل من المذاكرة، وأخيراً سوسن وصديقاتها وجمعات الودودة ومناقشة مستجدات الميوزك والفاشن والإنترنت.
الكل كان سعيداً بتلك الجمعات.. باستثناء الوالدة. كانت كلما اكتظ البيت كلما ازدادت توتراً.. وازددت أنا تطييباً لخاطرها.
لاحظت خلال تلك الجمعات -أقصد جمعات سوسن- أن إحدى صديقاتها لا تأتي إلا ورفيقها معها، شخص مبتذل تفوح تقاطيع وجهه خبثاً ومكراً. كان يرمقني شذراً كلما عبروا الفناء أثناء دخولهن وخروجهن. نسيت أن أوضح أن شنوش هو جني ساخر أدمن هو الآخر جمعات سوسن وصديقاتها.
لم آبه كثيراً بما يدور بينهن، حتى جاءت تلك الليلة الباردة التي شق سكونها صوت صراخ انطلق من غرفة سوسن، فقفزت على الفور مختلساً النظر من نافذتها نصف المفتوحه لأجد صديقتها رهف تبكي بشكل هستيري والبنات يحاولن تهدءتها وشنوش مستلقٍ في وسط الغرفة وغارق في الضحك. لم أفهم الموقف مطلقاً ولكني لم أتمالك أعصابي فهجمت على ذلك الدنئ صارخاً:
-         اش سويت للبنت يا خسيس؟؟!!
أجابني وهو يحاول التملص من قبضتي دون أن يتوقف ضحكه المستفز:
-  هلا والله يالجني المطوع.. جاي تدافع عن بنات الإنس؟ خايف يحرمونك من بقايا الأكل اللي يرمونها لك في الزباله؟
لم أتمالك أعصابي وأنا أعتصر جسده الهزيل:
-         لو أشوفك هنا مره ثانيه والله لأقتلك!
أفلت الحقير من قبضتي وفر إلى النافذه ورمقني وقد تحولت ضحكاته إلى ابتسامة ساخرة وقال:
-   أقول خليك في حالك يا ملقوف، تدافع عن الإنس وهم أساس البلا! هذولي هم اللي يترجوني أجيهم وألعب معاهم.. أسألهم لو مانك مصدق!
وفر بسرعه تاركاً هلع البنات وحيرتي خلفه.
اندفعت خلود تجاهي وهي تقول:
-         تعالوا يا بنات لازم نصرفها!
لحقت بها أريج وبقيت سوسن بجانب رهف تهدئها.
رأيتهن يتجهن نحوي وينظرن تجاهي.. فأصابني الرعب، فلأول مره أشعر أن أحداً منكم يراني.. ولكنني اكتشفت أنهن كن يتجهن إلى تلك اللوحة الملقاة تحتي ووضعت كل من خلود وأريج إصبعها على ذلك القرص البلاستيكي على اللوحة، وبدأت خلود تقول بصوت لا يخلو من التوتر:
-        مع السلامة..
تحول توترها إلى خوف وهي تكرر:
-        مع السلامة.. مع السلامة..!!
كررت معها أريج وهي تحاول تحريك القرص تحت إصبعها المرتعش:
-        مع السلامة.. مع السلامة يا دليمه..!!
شهقت رهف وهي تراقبهن، توقف بكاؤها فجأه وهي تقول بهلع:
-   شفتوا؟؟ شفتوا؟؟ الجنية تلبستني!! أنا اتلمست، هي قالت رح تتلبسني!! أنا أتلمست!!!

وسوسن تحاول تهدئتها:
-  يا شيخه قولي أعوذ بالله من الشيطان، هذا كله لعب وكلام فاضي، معقول وحده عاقله ومؤمنه زيك تفكر كذا؟
ولكن رهف استمرت تردد:
-         أنا اتلمست!
وكانت عصبية خلود تزداد وهي تهز ذلك القرص أسفل مني وتكرر مع أريج:
-        مع السلامة!!! مع السلامة!!!!
أعرف أن الاحتكاك بكم حرام لا محالة، ولكني في ذلك الموقف لم أستطع أن أمنع نفسي من التدخل لتهدئة الوضع، وجدت نفسي أمد يدي لا شعورياً تجاه القرص على تلك اللوحة التي تراصت عليها حروف إنجليزية مع أرقام وصورتي الشمس والقمر وبعض الكلمات: yes, no, goodbye ففهمت أنهن يردن إنهاء اللعبة فبدأت بتحريك إصبعي على القرص.. مع خلود وأريج.. ورعبت أكثر منهن عندما تحرك وبدأ يحوم على اللوحة مع حركة يدي.. وحركته تجاه عبارة goodbye  وحالما وصل إلى هناك سحبت يدي بسرعه وكأنما خشيت أن يصعقني ذلك الشئ إن استمريت بتحريكه. وشعر الجميع بالارتياح إلا أنا!
أعتقد أنني اترعبت أكثر من رهف! قفزت نحو الشباك وعدت إلى المخزن بسرعة. لم أنم طوال النهار. لأول مره في حياتي أحتك بكم يا إنس بشكل مباشر، لا أعلم إن كان ما عملته حرام أم حلال، ولم ولن أجرؤ أن أبين ذلك للوالدة، ولكنه شعور فعلاً غريب.
تسعون عاماً وأنا أراقبكم ولا أكاد أشعر بوجودكم.. واليوم تواصلت معكم وبشكل مباشر. قلت لكم كلمة واحدة: مع السلامة! وقررت ألا أقول غيرها!

4 comments: